السيارات الصينية تقترب أكثر من دخول السوق الأمريكي

رغم رفض شركات السيارات الأميركية والمشرعين في واشنطن دخول السيارات الصينية إلى الولايات المتحدة بشكل مباشر، يبدو أن الموجة الصينية تقترب أكثر فأكثر من السوق الأميركية.

صحيح أن الشركات الصينية لم تدخل السوق الأميركية بعلاماتها الخاصة حتى الآن بسبب الرسوم والقيود التنظيمية، لكن بعض السيارات المبنية في الصين بيعت في الولايات المتحدة منذ سنوات. ومن أبرز الأمثلة بويك إنفيجن، التي كانت أول سيارة إنتاج واسع صينية الصنع تُباع في السوق الأميركية، إلى جانب سيارات مثل فولفو S90، وبوليستار 2، ولينكون نوتيلوس في مراحل مختلفة. وهذا يعني أن الخلاف لا يتعلق دائماً بمكان التصنيع بقدر ما يتعلق بهوية العلامة المالكة للسيارة والأنظمة التقنية المستخدمة فيها.

ويأتي هذا الملف في توقيت حساس، مع اقتراب موعد تجديد اتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، وسط توتر واضح حول مستقبل صناعة السيارات في أميركا الشمالية.

واشنطن تخشى المنافسة والبيانات

بالنسبة إلى واشنطن، لا تتعلق المخاوف بالسعر أو المنافسة فقط. فالسيارات الصينية المدعومة من بكين قد تضغط بقوة على الشركات الأميركية، كما أن تقنياتها المتقدمة وأنظمة الاتصال وجمع البيانات داخلها تثير قلقاً أمنياً متزايداً.

وكانت الولايات المتحدة قد شددت القيود على دخول السيارات الصينية إلى أراضيها، في وقت تتصاعد فيه الدعوات لحماية الصناعة المحلية. وحتى جيم فارلي، الرئيس التنفيذي لشركة فورد، حذر من أن المنافسة الصينية قد تكون قاسية جداً على قطاع السيارات الأميركي.

المكسيك وكندا تتحولان إلى بوابتين جديدتين

الصورة تبدو مختلفة في المكسيك. فالسوق هناك باتت واحدة من أهم الوجهات للسيارات الصينية، إلى درجة أن التقديرات تشير إلى أن سيارة من كل خمس سيارات تُباع في البلاد مصنوعة في الصين. وقد تكون النسبة الحقيقية أعلى من ذلك، خصوصاً أن بعض الشركات، مثل بي واي دي، لا تكشف أرقام مبيعاتها بشكل واضح.

وتملك المكسيك أسباباً تجعلها سوقاً مغرية. فمتوسط عمر السيارات فيها يصل إلى نحو 18 عاماً، كما أن البلاد تضم قرابة 130 مليون نسمة وتبيع حوالي 1.5 مليون سيارة جديدة سنوياً. لذلك لم يكن مفاجئاً أن تنتشر سيارات بي واي دي وجيلي وغريت وول موتورز، إلى جانب علامات مملوكة لصينيين مثل إم جي وفولفو، بوتيرة سريعة.

أما كندا، فتحاول بدورها توسيع خياراتها التجارية وتقليل اعتمادها على السوق الأميركية. وقد سمحت أوتاوا هذا العام بدخول 49 ألف سيارة كهربائية صينية برسوم جمركية منخفضة بلغت 6.1% فقط، بعد أن كانت الضريبة السابقة تصل إلى 100%.

وخلال شهر مايو الماضي وحده، وصلت أكثر من 2900 سيارة كهربائية صينية إلى كندا، بينما تشير التوقعات إلى أن الواردات قد ترتفع إلى نحو 70 ألف سيارة خلال السنوات الخمس المقبلة.

ولم يتوقف الأمر عند الاستيراد فقط. فقد زارت وزيرة الصناعة الكندية ميلاني جولي الصين هذا الشهر، واجتمعت مع شركات بي واي دي وشيري وجيلي وشانغهاي لونش أوتوموتيف، في محاولة لجذب استثمارات جديدة إلى قطاع السيارات الكندي. وبحسب تصريحاتها، أبدت هذه الشركات استعدادها لدراسة إقامة مشاريع مشتركة لتصنيع السيارات داخل كندا.

القلق الأميركي لا يزال قائماً

هذا الانفتاح في كندا والمكسيك لا يمر بهدوء في واشنطن. فصناعة السيارات تعد من أهم ركائز الاقتصاد في أميركا الشمالية، وأي تغيير في موازينها قد يترك أثراً واسعاً. ففي المكسيك وحدها، يمثل هذا القطاع نحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي ويوفر مئات الآلاف من الوظائف.

ولا تقف الهواجس الأميركية عند حدود المنافسة التجارية. فقد وصف عضوان ديمقراطيان في مجلس الشيوخ الأميركي السيارات الصينية بأنها قد تكون مثل حزم مراقبة تسير على عجلات، في إشارة إلى المخاوف من جمع البيانات ونقلها إلى جهات منافسة.

ولمحاولة تهدئة هذه المخاوف، فرضت المكسيك في يناير الماضي رسوماً جمركية بنسبة 50% على السيارات الصينية. كما أكد مسؤولون في بي واي دي أن خطط الشركة في المكسيك وكندا تستهدف هذين السوقين فقط، وليست محاولة لاستخدامهما كبوابة لدخول الولايات المتحدة.

ورغم ذلك، يبقى القلق الأميركي قائماً. فالسيارات الصينية، حتى وإن لم تدخل السوق الأميركية مباشرة، أصبحت قريبة جداً من حدودها، وتنتظر فقط تغيراً سياسياً أو تجارياً قد يفتح لها الطريق.

وخلال العقود الثلاثة الماضية، بنت الولايات المتحدة والمكسيك وكندا واحدة من أكثر شبكات صناعة السيارات ترابطاً في العالم. لكن التوتر التجاري مع الصين والرسوم الجمركية الجديدة يعيدان اليوم رسم خريطة هذه الصناعة، ويدفعان بكين إلى البحث عن طرق بديلة لتعزيز حضورها في أميركا الشمالية.

إنضم لأكثر من 15 مليون متابع