شركات السيارات ما زالت تحقق مبيعات وإيرادات قوية نسبياً، لكن المشكلة أن هامش الربح من كل سيارة تبيعها أصبح أقل من السابق. وهذا يلخص إلى حد كبير ما شهدته الصناعة خلال النصف الأول من 2026.
صحيح أن الإيرادات بقيت قريبة من مستويات العام الماضي، لكن الأرباح تراجعت بشكل أوضح، وهو ما يعكس حجم الضغوط التي تواجهها الشركات في مرحلة تشهد استثمارات ضخمة ومنافسة أقسى من أي وقت مضى.
ووفق دراسة صادرة عن مركز إدارة السيارات الألماني ، شملت 15 شركة كبرى، انخفض متوسط الأرباح التشغيلية قبل احتساب الفوائد والضرائب لكل سيارة تم تسليمها من 1,409 يوروهات إلى 1,187 يورو خلال النصف الأول من العام، أي بتراجع يقارب 16%.
وعند النظر إلى الصورة الأكبر، هبطت الأرباح التشغيلية الإجمالية للشركات المشمولة بنسبة 17.5% إلى نحو 35.6 مليار يورو، أي ما يقارب 41 مليار دولار، في حين تراجعت الإيرادات بنسبة 1.4% فقط.
هذا الفارق مهم لأنه يوضح أن شركات السيارات لا تعاني بالضرورة من نقص حاد في المبيعات، لكنها تواجه صعوبة أكبر في تحويل هذه المبيعات إلى أرباح.
معدوالدراسة، أشاروا إلى أن الفجوة بين الإيرادات والأرباح هي المؤشر الأكثر إثارة للقلق. فالإيرادات لم تهبط بالوتيرة نفسها، بينما تراجعت الربحية بشكل أسرع بكثير، ما يعني أن هوامش الشركات تتعرض لضغط متزايد.
تكاليف التحول تزداد
جزء كبير من هذا الضغط يأتي من التحول المستمر نحو السيارات الكهربائية، خاصة أن الشركات تضخ استثمارات هائلة في البطاريات والبرمجيات والمنصات الكهربائية والتقنيات الجديدة، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع التخلي عن تطوير سيارات الاحتراق الداخلي والهجينة، لأن هذه الفئات ما زالت تمثل جزءاً مهماً من مبيعاتها.
النتيجة أن كثيراً من المصنعين باتوا يمولون أكثر من مسار تقني في الوقت نفسه، وهو أمر مكلف بطبيعته. وحتى مع تحسن أوضاع سلاسل التوريد مقارنة بسنوات الجائحة، لا تزال تكاليف الإنتاج والمكونات والخدمات اللوجستية أعلى مما كانت عليه سابقاً.
الصين تضغط على الجميع
السوق الصينية أصبحت من أكثر النقاط حساسية بالنسبة لشركات السيارات العالمية. فإلى جانب تباطؤ النمو، تشهد الصين منافسة سعرية شرسة تقودها شركات محلية أصبحت أكثر قوة وتأثيراً، وعلى رأسها BYD وغيرها من المصنعين الذين يوسعون حضورهم بسرعة في فئات السيارات الكهربائية والهجينة.
هذا الضغط يدفع الشركات الأجنبية إلى خفض الأسعار أو تقديم عروض أكبر من أجل الحفاظ على حصتها السوقية، وهو ما ينعكس مباشرة على الأرباح. قد تستمر السيارة في الخروج من صالة العرض، لكن الربح الذي تحققه الشركة من بيعها أصبح أقل.
الدراسة في الحقيقة لم تشمل كبرى الشركات الصينية بسبب عدم توفر بيانات نصف سنوية قابلة للمقارنة بشكل كامل، لكنها شملت مجموعة واسعة من الأسماء الكبرى مثل تويوتا، فولكسفاغن، هيونداي وكيا، ستيلانتس، جنرال موتورز، فورد، مرسيدس، بي إم دبليو، تسلا، هوندا، نيسان، رينو، سوزوكي، مازدا وميتسوبيشي.
الرسوم الأميركية تزيد الضغط
إلى جانب المنافسة الصينية، أصبحت الرسوم الجمركية الأميركية كذلك عبئاً إضافياً على عدد من الشركات، خصوصاً تلك التي تصدر سيارات أو قطع غيار إلى الولايات المتحدة من مصانع خارجها.
في هذه الحالة، تكون الخيارات محدودة. إما أن ترفع الشركة أسعارها وتخاطر بتراجع الطلب، أو تتحمل جزءاً من التكلفة بنفسها، وهو ما يقلص هامش الربح. وعندما تأتي هذه الرسوم فوق تكاليف التطوير المرتفعة والمنافسة السعرية في الصين، تصبح المحافظة على مستويات الربحية السابقة أكثر صعوبة.
ويشير الخبراء إلى أن صناعة السيارات العالمية تمر حالياً بمرحلة إعادة هيكلة كبيرة، معتبرينً أن تباطؤ النمو في الصين من أبرز التحديات التي تواجه القطاع.
2026 قد يبقى عاماً صعباً
مركز إدارة السيارات لا يتوقع انفراجة كبيرة خلال النصف الثاني من العام، فالمنافسة في الصين لا تزال قوية، والرسوم الأميركية مستمرة في الضغط، بينما تواصل الشركات إنفاق مليارات الدولارات على التحول الكهربائي والتقنيات الجديدة.
وهذا يضع صناعة السيارات أمام معادلة صعبة. المبيعات لم تتراجع بشكل كبير، والإيرادات ما زالت متماسكة نسبياً، لكن تكلفة بناء السيارة وتطويرها وبيعها أصبحت أعلى، بينما أصبحت قدرة الشركات على تمرير هذه التكاليف إلى المستهلك أضعف.
بمعنى أبسط، الأزمة الحالية ليست أزمة سيارات لا تجد من يشتريها، بل أزمة سيارات تُباع بهوامش ربح أقل. ومع استمرار هذه الضغوط، سيكون التحدي الحقيقي أمام المصنعين هو الحفاظ على القدرة على الاستثمار في المستقبل من دون أن تتآكل أرباحهم أكثر.