مع دخول شركة لوسيد، المتخصصة في صناعة السيارات الكهربائية الفاخرة، مرحلة الإنتاج الفعلي في مدينة الملك عبدالله الاقتصادية، بدأت المملكة العربية السعودية رحلة التحول من الاعتماد على الاستيراد إلى الانطلاق نحو التصنيع المحلي، في خطوة تعكس الطموح الوطني لتوطين صناعة السيارات ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030.
شراكة استراتيجية ترسم ملامح المستقبل
وكما قد يذكر القارئ الكريم، فقد بدأت قصة لوسيد في السعودية مع صندوق الاستثمارات العامة (PIF) الذي يمتلك قرابة 60% من أسهم الشركة. لم يكن هذا الاستثمار ماليًا فحسب، بل مثّل خطوة استراتيجية تهدف إلى توطين صناعة السيارات الكهربائية في المملكة وجعلها منصة صناعية متقدمة إقليميًا. ومن خلال هذا الدعم، افتتحت لوسيد أول مصانعها خارج الولايات المتحدة، المعروف باسم AMP-2، ليصبح رمزًا للتحول الصناعي في المملكة ونقطة انطلاق لمرحلة جديدة من الابتكار والتقنية.
الكوادر السعودية في قلب المصنع
من أبرز ملامح مشروع لوسيد في السعودية نسبة السعودة المرتفعة في مصنعها الجديد، حيث يشكل السعوديون أكثر من 65% من القوى العاملة. وقد خضع هؤلاء المهندسون والفنيون لتدريب متقدم في مصنع الشركة الأمريكي AMP-1 بولاية أريزونا، ضمن برنامج شامل دعمته عدة جهات حكومية، من بينها صندوق تنمية الموارد البشرية الذي استثمر ما يصل إلى 50 مليون دولار لتأهيل أكثر من ألف موظف سعودي على أحدث تقنيات تصنيع السيارات الكهربائية.
هذا الاستثمار في العنصر البشري لا يهدف فقط إلى تشغيل المصنع، بل إلى نقل المعرفة وبناء جيل سعودي مؤهل لقيادة قطاع السيارات الكهربائية في المستقبل.
يُعدّ مصنع لوسيد في مدينة الملك عبدالله الاقتصادية أول منشأة متكاملة لإنتاج السيارات الكهربائية في الشرق الأوسط، ويعكس مستوىً متقدمًا من التعاون بين القطاعين العام والخاص في السعودية. فقد أعلنت الشركة عن تجميع أكثر من 1000 سيارة في المملكة خلال الربع الثالث من عام 2025، وهو إنجاز يؤكد أن مرحلة التجريب قد تحولت إلى إنتاج فعلي يسهم في بناء قاعدة صناعية متكاملة تعزز مكانة المملكة في سوق السيارات العالمي.
شاهد تجربة قيادة سيارة Lucid Gravity
إنجازات لوسيد العالمية
على الصعيد العالمي، واصلت لوسيد تحقيق أداء قوي رغم التحديات التي تواجه سوق السيارات الكهربائية. فقد أنتجت الشركة نحو 3891 سيارة في مصانعها الأمريكية خلال الربع الثالث من عام 2025، إضافة إلى أكثر من 1000 سيارة مخصصة للتجميع النهائي في السعودية، ليصل إجمالي الإنتاج خلال الأشهر التسعة الأولى من العام إلى 9966 سيارة (باستثناء المركبات المجمعة محليًا).
أما المبيعات العالمية فقد بلغت 10,496 سيارة حتى نهاية سبتمبر 2025، في حين سلّمت الشركة 4078 سيارة خلال الربع الثالث مقارنة بـ 2781 سيارة في الفترة نفسها من العام الماضي، أي بزيادة تقارب 46.6%.
ورغم أن هذه النتائج جاءت دون توقعات وول ستريت التي كانت تشير إلى تسليم نحو 4286 سيارة، فإنها تظل مؤشراً واضحاً على تنامي الطلب واستقرار الأداء التجاري للشركة في أسواقها الرئيسة.
وتستعد لوسيد، شأنها شأن بقية شركات السيارات الكهربائية، لمواجهة تباطؤ متوقع في المبيعات خلال الفترة المقبلة بعد انتهاء الإعفاءات الضريبية الأمريكية والخصومات الحكومية التي بلغت 7500 دولار لكل مركبة. ومع ذلك، تبدو الشركة أكثر استعدادًا للتعامل مع هذه التحديات بفضل توسعها في السوق السعودي الذي يمثل اليوم ركيزة أساسية لنموها المستقبلي.
خاتمة
وجود لوسيد في المملكة مثل تحولًا جوهريًا في المشهد الصناعي والاقتصادي. فالسعودية، التي كانت تستورد نحو 800 ألف سيارة سنويًا، بدأت بالفعل رحلتها نحو الاكتفاء الذاتي والتحول إلى مُصدّر للسيارات الكهربائية في المنطقة.
ومع الخطة الوطنية الطموحة لإنتاج 565 ألف مركبة سنويًا بحلول عام 2035، والتوسع في إنشاء مصانع وشراكات جديدة في قطاع التنقل الكهربائي، تبدو المملكة ماضية بثقة نحو قيادة صناعة السيارات في الشرق الأوسط — حيث تتحول الرؤية إلى إنجاز، والطموح إلى واقع كهربائي يصنع المستقبل.




