تصاعد أزمة صناعة السيارات يهدد آلاف الوظائف

تمر صناعة السيارات العالمية بمرحلة إعادة ترتيب قاسية، بعدما بدأت الضغوط المالية والتنافسية تتراكم على عدد من أكبر الشركات في العالم. فضعف الطلب في أسواق رئيسية، والخسائر المرتبطة بالاستثمارات الضخمة في السيارات الكهربائية، وارتفاع تكاليف التشغيل، إلى جانب التوسع السريع للمصنعين الصينيين، كلها عوامل تدفع الشركات إلى مراجعة استراتيجياتها وتقليص إنفاقها.

ولم تعد تداعيات هذه الأزمة محصورة في الأرباح أو خطط المنتجات الجديدة، إذ بدأت تنتقل بشكل مباشر إلى المصانع والوظائف. وبين شركات تعيد توجيه استثماراتها، وأخرى تبحث عن خفض النفقات، أصبحت العمالة واحدة من أكثر الملفات حساسية داخل قطاع السيارات العالمي.

السيارات الكهربائية تتحول إلى عبء مالي

شكل التحول نحو السيارات الكهربائية خلال السنوات الماضية محوراً رئيسياً في خطط شركات السيارات العالمية، إلا أن النتائج لم تأت دائماً بالشكل المتوقع.

فقد سجلت فورد وجنرال موتورز وستيلانتس، إلى جانب هوندا اليابانية، خسائر مجتمعة تجاوزت 70 مليار دولار مرتبطة باستثمارات السيارات الكهربائية خلال عامي 2025 و2026.

ودفعت هذه النتائج عدداً من الشركات إلى إعادة النظر في خططها، مع إلغاء بعض الطرازات وتحويل جزء من الاستثمارات نحو السيارات الهجينة. كما سجلت ستيلانتس رسوم إعادة هيكلة بلغت 26 مليار دولار في فبراير 2026، في مؤشر على حجم التكاليف التي تتحملها الشركات أثناء إعادة ترتيب استراتيجياتها.

وفي الوقت نفسه، تواجه شركات ديترويت ضغوطاً إضافية نتيجة ارتفاع أسعار المواد الأولية واضطرابات سلاسل التوريد والرسوم الجمركية الأميركية، مع تقديرات تشير إلى أن هذه العوامل قد تضيف ما يصل إلى 5 مليارات دولار من الأعباء المالية خلال 2026.

المنافسة الصينية تغير موازين السوق

إلى جانب تحديات الاستثمار والتحول التقني، تواجه شركات السيارات التقليدية منافسة متزايدة من المصنعين الصينيين، الذين توسعوا بسرعة في الأسواق العالمية.

وتبرز بي واي دي وجيلي ضمن أبرز الأسماء في هذا التوسع، بعدما ارتفعت حصتهما في السوق العالمية من أقل من 3% إلى نحو 11.1%.

ويزيد هذا النمو من الضغط على الشركات الأوروبية والأميركية واليابانية، التي تحاول في الوقت نفسه حماية هوامش أرباحها وتمويل التحول إلى تقنيات جديدة، وسط أسواق لم تعد تحقق معدلات النمو السابقة نفسها.

هذه الضغوط تظهر بوضوح في فولكسفاغن، التي تعاني من ضعف المبيعات وتراجع الربحية، خصوصاً في السوق الصينية التي كانت لعقود من أهم مصادر قوتها.

فولكسفاغن في قلب الأزمة

تعكس نتائج فولكسفاغن حجم التحديات التي تواجه قطاع السيارات الأوروبي. فقد انخفض صافي أرباح المجموعة بنسبة 28% خلال الربع الأول من 2026، كما تراجعت الإيرادات بنسبة 2.5% بفعل ضعف الطلب في الصين والولايات المتحدة.

وخسرت أسهم المجموعة أكثر من 30% من قيمتها منذ بداية العام، لتصل إلى أدنى مستوياتها منذ 2010.

وفي يونيو، أشار الرئيس التنفيذي أوليفر بلومه إلى أن نموذج الأعمال الذي اعتمدت عليه الشركة لعقود لم يعد مناسباً للظروف الحالية، في وقت ترى فيه الإدارة أن حجم المجموعة وتعقيد عملياتها أصبحا جزءاً من المشكلة.

وبدأت فولكسفاغن بالفعل في مراجعة حجم أعمالها، مع خطة لخفض 35 ألف وظيفة في علامة فولكسفاغن وحدها بحلول عام 2030.

وبعد الموافقة سابقاً على خفض 50 ألف وظيفة على مستوى المجموعة، بما يشمل بورشه وأودي، ظهر في يوليو سيناريو إضافي يتحدث عن إمكانية خفض ما يصل إلى 50 ألف وظيفة أخرى، ما قد يرفع إجمالي الوظائف المهددة عالمياً إلى نحو 100 ألف وظيفة.

الوظائف تتحول إلى ساحة المواجهة

مع انتقال خطط إعادة الهيكلة من الأرقام إلى أرض الواقع، بدأت التوترات بين الإدارة والعمال بالتصاعد.

وفي ألمانيا، تستعد فولكسفاغن لسلسلة من الاجتماعات الاستثنائية مع ممثلي الموظفين، وسط مخاوف من أن تؤدي إجراءات خفض التكاليف الجديدة إلى شطب عشرات الآلاف من الوظائف ووضع مستقبل عدد من المصانع الألمانية تحت المراجعة.

ويطالب مجلس العمال بتوضيح تفاصيل الخطط المقبلة، خصوصاً مع الحديث عن إمكانية الاستغناء عن ما يصل إلى 50 ألف وظيفة إضافية.

وترى إدارة فولكسفاغن أن الإجراءات التي اتخذت حتى الآن لا تزال غير كافية لاستعادة القدرة التنافسية، بينما يواجه أي تحرك جديد مقاومة واضحة من ممثلي العمال.

وقد رفض مجلس الإشراف، الذي يضم ممثلين عن الموظفين، أحدث مقترحات خفض التكاليف خلال يوليو، وهو ما يزيد صعوبة الوصول إلى اتفاق.

ومن المقرر عقد 9 اجتماعات استثنائية في عدد من مواقع فولكسفاغن داخل ألمانيا، تبدأ من مقر الشركة في فولفسبورغ، في محاولة للوصول إلى صيغة توازن بين متطلبات خفض النفقات ومخاوف العمال على وظائفهم.

هيونداي تواجه أزمة مختلفة بالنتيجة نفسها

المشهد العمالي لا يقتصر على أوروبا. ففي كوريا الجنوبية، دخلت هيونداي في سلسلة طويلة من المفاوضات مع نقابة العمال بعد إضرابات أثرت بشكل مباشر في الإنتاج.

وبعد 17 جولة من المحادثات، توصل الطرفان إلى اتفاق مبدئي يتضمن زيادة الراتب الأساسي الشهري بقيمة 100 ألف وون، أي نحو 72.20 دولاراً، إضافة إلى مكافأة أداء تتجاوز 400% من الراتب الشهري، ومبلغ إضافي قدره 12.7 مليون وون لكل عامل.

كما يتضمن الاتفاق تمديد سن التقاعد من 60 إلى 65 عاماً، بشرط تعديل القوانين واللوائح ذات الصلة في كوريا الجنوبية.

ولا يزال الاتفاق بحاجة إلى تصويت أعضاء النقابة في 31 أغسطس، وفي حال الموافقة عليه تنتهي مفاوضات الأجور لهذا العام داخل الشركة.

وجاء الاتفاق بعد إضرابات بلغ مجموعها نحو 60 ساعة، بينما تعطلت خطوط الإنتاج لمدة تقارب 120 ساعة نتيجة توقف نوبتي العمل الصباحية والمسائية بشكل منفصل.

كما شهدت الشركة إضراباً كاملاً يوم الجمعة، وهو الأول من نوعه منذ 10 سنوات. وتشير التقديرات إلى أن الإضرابات أدت إلى خسارة إنتاج تبلغ نحو 55.2 ألف سيارة، إلى جانب خسائر مالية تقدر بنحو 2.3 تريليون وون.

أزمة القطاع تصل إلى العمال

تكشف هذه التطورات أن أزمة صناعة السيارات لم تعد مرتبطة فقط بسرعة التحول إلى السيارات الكهربائية أو المنافسة الصينية أو تراجع الأرباح.

فالضغط الذي بدأ داخل الميزانيات وخطط الاستثمار انتقل الآن إلى المصانع، وأصبحت الوظائف والأجور ومستقبل مواقع الإنتاج جزءاً أساسياً من قرارات إعادة الهيكلة.

وبين فولكسفاغن التي تحاول خفض التكاليف واستعادة قدرتها التنافسية، وهيونداي التي تسعى إلى إنهاء نزاع عمالي مكلف، تبدو شركات السيارات أمام معادلة صعبة تجمع بين الحاجة إلى خفض الإنفاق والحفاظ على استقرار عملياتها.

ومع استمرار ضعف الطلب وارتفاع التكاليف وتغير موازين المنافسة العالمية، قد تبقى الوظائف واحدة من أكثر الملفات تأثراً بالتحولات التي يشهدها قطاع السيارات خلال الفترة المقبلة.

إنضم لأكثر من 15 مليون متابع