لم تعد المركبات مجرد وسيلة تنقّل يومية، بل أصبحت مؤشرًا دقيقًا على طبيعة المجتمعات، ومستوى الدخل، وشكل المدن، ومدى اعتماد الأفراد على النقل الخاص. ففي عالم يشهد توسعًا حضريًا متسارعًا، تكشف بيانات عام 2025 عن فروقات حادة بين دول تكاد “تختنق” بعدد المركبات، وأخرى لا تزال السيارة فيها ترفًا محدود الانتشار.
وفقًا لبيانات مجمّعة من World Population Review بلغ إجمالي عدد المركبات المسجلة عالميًا نحو 1.77 مليار مركبة. إلا أن توزيع هذا الرقم لا يسير بوتيرة متقاربة، بل تحكمه عوامل متعددة تشمل الدخل الفردي، والبنية التحتية، وشبكات النقل العام، والعادات الاجتماعية، وحتى طبيعة الجغرافيا والمساحة.
القمة العالمية: عندما تفوق المركبات عدد السكان
تتصدر سان مارينو المشهد العالمي بكثافة غير مسبوقة تبلغ 1606 مركبات لكل ألف شخص، أي ما يعادل أكثر من سيارة ونصف لكل فرد. وتليها كيانات صغيرة مثل غيرنزي، جيرزي، وأندورا، حيث تؤدي المساحة المحدودة، وارتفاع الدخل، وسهولة تسجيل المركبات إلى تضخم أعداد السيارات مقارنة بعدد السكان.
الاقتصادات المتقدمة: كثافة مرتفعة ولكن مفهومة
في دول مثل الولايات المتحدة، أستراليا، كندا، اليابان، ومعظم أوروبا الغربية، تسجل كثافة المركبات أرقامًا مرتفعة تتراوح بين 600 و800 مركبة لكل ألف شخص. هذه الأرقام تعكس نمط حياة يعتمد بشكل كبير على السيارة، خصوصًا في المدن الممتدة والمسافات الطويلة، إلى جانب تفاوت كفاءة شبكات النقل العام خارج المراكز الحضرية الكبرى.
آسيا والشرق الأوسط: أرقام متباينة
تقترب تايوان من حاجز التشبع الكامل، مسجلة 999 مركبة لكل ألف شخص، وهو رقم يعكس اعتمادًا شبه مطلق على المركبات الخاصة في جزيرة ذات كثافة سكانية عالية وبنية نقل محدودة البدائل. في المقابل، تُظهر الدول العربية تباينًا واضحًا في كثافة المركبات رغم التقارب النسبي في العوامل الاقتصادية.
في منطقة الخليج، تسجل الكويت نحو 521 مركبة لكل ألف شخص، بينما تبلغ الكثافة في قطر حوالي 512 مركبة، في حين تنخفض في الإمارات العربية المتحدة إلى 376 مركبة لكل ألف شخص فقط، وهو رقم أقل من المتوقع قياسًا بمستوى الدخل، ويعود ذلك إلى التركيبة السكانية التي يغلب عليها المقيمون، واعتماد الشركات على الأساطيل، إلى جانب اختلاف سياسات تسجيل المركبات.
خارج الخليج، تسجل السعودية نحو 224 مركبة لكل ألف شخص، متأثرة باتساع الرقعة الجغرافية وتفاوت مستويات الدخل بين المناطق، بينما تبلغ الكثافة في الأردن قرابة 173 مركبة لكل ألف شخص، في انعكاس مباشر لمحدودية القدرة الشرائية وارتفاع كلفة التملك. أما مصر، فتسجل 87 مركبة فقط لكل ألف شخص، ما يضعها ضمن الدول منخفضة الكثافة، نتيجة الكثافة السكانية المرتفعة، والاعتماد الواسع على النقل الجماعي، وارتفاع تكاليف امتلاك السيارات مقارنة بمتوسط الدخل.
الوجه الآخر للقائمة: الدول الأقل امتلاكًا للمركبات
على الطرف المقابل، تكشف البيانات عن دول لا تزال السيارة فيها محدودة الانتشار إلى حد كبير. تتذيل كوريا الشمالية القائمة عالميًا بمعدل يقارب سيارة واحدة فقط لكل ألف شخص، تليها دول مثل الصومال، جمهورية إفريقيا الوسطى، توغو، مدغشقر، وإثيوبيا، حيث لا يتجاوز المعدل في معظمها 10 مركبات لكل ألف شخص.
ولا تعكس هذه الأرقام ضعف الطلب فقط، بل ترتبط بعوامل أعمق تشمل انخفاض الدخل الفردي، ومحدودية البنية التحتية، وغياب شبكات الطرق المهيأة، واعتماد شريحة واسعة من السكان على وسائل نقل بديلة أو غير رسمية. كما تبرز فجوة تنقّل عالمية واضحة بين الدول المتقدمة والنامية، وهي فجوة مرشحة للاستمرار في المدى المنظور.
وفي الحقيقة فإن أرقام كثافة المركبات حول العالم تكشف عن حكاية تتجاوز الإحصاءات الجامدة، فهي تعكس أسلوب الحياة اليومي، ومستوى التطور، ومدى سهولة الوصول إلى وسائل التنقّل. وبين دول بلغت حدّ التشبع بالسيارات، وأخرى ما تزال في خطواتها الأولى، تتشكل أمامنا خريطة عالمية غير متوازنة لحركة الناس… وحركة العجلات





