في ظل تصاعد الأخبار مؤخرًا حول ارتفاع أسعار النفط، المرتبط بتعطل الملاحة في مضيق هرمز وصعوبة مرور السفن نتيجة الحرب على إيران، تعود إلى الواجهة تساؤلات قديمة تتكرر مع كل أزمة: كيف تتفاعل أسعار النفط مع الصراعات الكبرى؟
التاريخ يقدّم الإجابة بوضوح. فعلى مدار أكثر من نصف قرن، لم تتحرك أسعار النفط بشكل عشوائي، بل كانت مرآة مباشرة للتحولات السياسية والاقتصادية حول العالم. ورغم اختلاف الأسباب، يبقى العامل المشترك ثابتًا: كلما اضطربت الإمدادات أو تصاعدت التوترات في مناطق الإنتاج، اشتعلت الأسعار.
وبالطبع فإن النفط ليس مجرد سلعة تقليدية، بل هو العمود الفقري للاقتصاد العالمي. أي ارتفاع في أسعاره ينعكس فورًا على تكاليف النقل والصناعة، ويضغط على المستهلكين، مطلقًا موجات تضخم تمتد آثارها إلى مختلف جوانب الحياة، من الاقتصاد إلى السياسة..
في هذا التقرير، نستعرض أبرز 10 محطات تاريخية دفعت أسعار النفط إلى القفز، من أزمة السويس إلى صراعات اليوم.
- تأميم قناة السويس 1956
عندما قررت مصر تأميم قناة السويس، أحد أهم شرايين نقل النفط إلى أوروبا، اندلعت أزمة كبرى تبعتها حرب العدوان الثلاثي. ومع اضطرار ناقلات النفط لسلوك طرق أطول حول أفريقيا، ارتفعت تكاليف الشحن، وقفز سعر البرميل من 2.8 إلى 3.3 دولار، بزيادة تقارب 18%، في أول إشارة واضحة لمدى حساسية النفط تجاه التوترات الجيوسياسية.
- الحظر النفطي العربي 1973
في خطوة غير مسبوقة، استخدمت الدول العربية النفط كسلاح سياسي، ففرضت حظرًا على الإمدادات إلى الغرب بسبب دعمه لإسرائيل. النتيجة كانت صادمة، إذ قفزت الأسعار من 3 إلى 12 دولارًا للبرميل، أي ما يعادل ارتفاعًا بنحو 300% خلال أشهر قليلة، ما أدخل الاقتصاد العالمي في حالة ركود وأثبت قوة أوبك في التأثير على السوق.
- الثورة الإيرانية 1979
سقوط نظام الشاه وصعود الثورة الإسلامية أحدثا اضطرابًا حادًا في إنتاج النفط الإيراني. ومع تقليص الإمدادات، ارتفع سعر البرميل من 14 إلى 39 دولارًا، بزيادة تقارب 180%، ليؤكد مجددًا أن أي خلل في أحد كبار المنتجين ينعكس فورًا على الأسعار.
- الحرب العراقية الإيرانية 1980
الصراع الطويل بين دولتين من كبار منتجي النفط أدى إلى تراجع الإمدادات واستهداف ناقلات النفط، ما دفع الأسعار للارتفاع من 30 إلى 39 دولارًا للبرميل، أي بنحو 30%، رغم محاولات دول أخرى تعويض النقص.
- غزو الكويت 1990
مع اجتياح العراق للكويت، اهتزت أسواق النفط سريعًا، وقفزت الأسعار من 12 إلى 41 دولارًا للبرميل، بزيادة تتجاوز 240% خلال فترة قصيرة. لكن مع انتهاء الحرب وعودة الإمدادات، تراجعت الأسعار تدريجيًا خلال السنوات التالية.
- الطفرة الصينية 2001–2008
النمو الاقتصادي الهائل في الصين رفع الطلب العالمي على الطاقة بشكل غير مسبوق، ما دفع أسعار النفط للارتفاع من نحو 36 إلى 147 دولارًا للبرميل، مسجلة قفزة تتجاوز 300%، قبل أن تعصف الأزمة المالية العالمية بالأسواق وتُعيد الأسعار للانخفاض.
- الربيع العربي 2011
الاضطرابات التي شهدتها المنطقة، خاصة في ليبيا، أثرت بشكل مباشر على الإمدادات النفطية، لترتفع الأسعار من 90 إلى 120 دولارًا للبرميل، بزيادة تقارب 33% مع تراجع الإنتاج.
- العقوبات على إيران 2012
مع فرض عقوبات غربية على النفط الإيراني، تقلصت الإمدادات في وقت كان فيه الطلب العالمي يتعافى، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار من 80 إلى 115 دولارًا للبرميل، أي ما يقارب 44%.
- الحرب الروسية الأوكرانية 2022
العقوبات على روسيا، أحد أكبر مصدري النفط، دفعت الأسعار للارتفاع من 78 إلى نحو 139 دولارًا للبرميل، بزيادة تقارب 78%، في ظل محاولات أوروبا تقليل اعتمادها على الطاقة الروسية.
- الحرب على إيران 2026
أحدث الصراعات تأثيرًا جاء مع التوترات في الخليج، حيث تعطل مضيق هرمز، أحد أهم ممرات النفط عالميًا. ومع خفض الإنتاج في عدة دول، ارتفع النفط من نحو 80 إلى 120 دولارًا للبرميل، أي زيادة تقارب 50%، وسط مخاوف من استمرار الأزمة.
إلى أين تتجه الأسعار؟
التوقعات تشير إلى أن استمرار التوترات قد يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى، وربما تتجاوز 150 دولارًا للبرميل. لكن في حال عودة الاستقرار وفتح طرق الإمداد، قد تتراجع الأسعار، مع بقائها ضمن مستويات مرتفعة نسبيًا حتى نهاية العام.